أزمة منتصف العمر .. نفسية أم طبية؟!
العدد 154 - 2023
الجزاء من جنس العمل. هذا صحيح، لكن عندما يكون العمل هو رحلة طويلة من الحب والبذل والعطاء والتضحية والإيثار عاشتها المرأة عبر أدوارها المختلفة.. هل بالضرورة أن يكون الجزاء من جنس العمل بصرف النظر عن طبيعة الأدوار واختلافها من شخص إلى آخر؟!
هذا ما تتخيله المرأة وتنتظره بل وتحتاجه في تلك اللحظة الحاسمة من حياتها .. لحظة تعاني فيها من مشكلة خاصة جداً وتسقطها بشكل مباشر على أولئك الذين بذلت من أجلهم -كأدنى ما بذلت- الوقت والجهد، لأنها وفوق ذلك قدَّمت ما يتجاوز قدراتها الجسدية والنفسية في سبيل إسعادهم.
هل هي تغيرات فيسيولوجية تؤدي إلى اضطرابات نفسية؟ أم هي اضطرابات نفسية في الأصل تظهر على شكل تغيرات فسيولوجية؟ أم إنه مجرد انتقال من مرحلة عمرية إلى أخرى، بكل ما يترتب على ذلك من تغير في طبيعة الدور -المنوط لها- وكذلك من تغيرات عديدة في القدرة الصحية، وما يصاحب كل ذلك من تغير في أسلوب الحياة وبالتالي في تقييم المرأة لذاتها وتقييم الآخرين لها.
هذا ما أولته الدراسات الطبية والنفسية اهتماماً بالغاً في محاولة لمد يد العون إلى المرأة حتى تكمل مسيرتها على نحو يبقيها فاعلة قادرة متمكنة مبدعة، خاصة وأن المرأة، كما تؤكد الإحصائيات، تعيش قرابة الـ30 عاماً من حياتها بعد انقطاع الطمث.
فتحت عنوان (تقدير الذات والمساندة الأسرية للمرأة في سن ما قبل انقطاع الطمث في ضوء متغيري التعليم والعمل) جاءت دراسة الدكتورة سميرة محمد شندي مدرس الصحة النفسية بكلية التربية جامعة عين شمس.
والتي أكدت خلالها أن سن انقطاع الطمث لدى النساء يختلف من بلد إلى آخر، فيتراوح في مصر ما بين الـ45 إلى 55 عاماً، بينما يرتفع في دول أخرى ليصل إلى 60 عاماً، في حين ينخفض في غيرها إلى أقل من 40 عاماً، وذلك لوجود عوامل متعددة تحدد ذلك، من أهمها بنية الجسم والمناخ وسن بداية الحيض.
كما أكدت الدارسة أن المرأة تعاني في فترة التحول تلك العديد من الأعراض والظواهر والتغيرات الجسمانية والنفسية أهمها ما يسمى بـ (فورة السخونة) وهو إحساس بالحرارة مفاجئ يبدأ في جزع المرأة ثم ينتقل إلى أعلى حيث العنق والوجه والجبهة ويستمر من دقيقة إلى 3 دقائق مصحوباً بزيادة في إفراز العرق، وقد يصاحبه احمرار في الجلد مع خفقان في ضربات القلب مع سرعة في النبض وارتفاع بسيط في حرارة الجسم، وقد تحدث هذه الفورة الساخنة مرات معدودة كل شهر أو أكثر من مرة في اليوم الواحد، كما تعاني خلالها أيضاً من الشعور بالقلق، الاكتئاب، الصداع، التوتر، التقلب المزاجي، الضعف، فقدان الحيوية، نقص الكفاءة، ضعف الذاكرة، والشعور بالوحدة وأحياناً العدائية، وكذلك بنوبات من الصداع والدوار وطنين بالأذن وضيق بالتنفس.
طبقت د. سميرة شندي دراستها على عينة من النساء المتزوجات قدرها 550 سيدة تتراوح أعمارهن ما بين الـ35 إلى الـ55 عاماً، وقد تبين لها أن معاناة المرأة أثناء تلك الفترة الحرجة وما يصاحبها من تغيرات هرمونية أو نفسية أو جسمية يؤدي إلى انخفاض تقديرها لذاتها، ومن ثم تلتمس العون أو المساندة الاجتماعية والنفسية من أقرب الناس إليها وخاصة الزوج والأبناء يليهم الأصدقاء، فإذا تحقق ذلك أصبحت هذه المساندة سياجاً واقياً أو عاملاً ملطفاً ومخففاً من أثر ضغوط تلك المرحلة، والتي تصبح فيها المرأة أكثر حساسية وقلقاً اتجاه علاقاتها مع الآخرين، حتى إنها تعتمد في تقديرها لذاتها على مدى نجاح أو فشل تلك العلاقات، وبالتالي تستشعر بعدم القيمة وبأنها غير مرغوب فيها.
ومن نتائج الدراسة أيضاً أن المرأة في الفترة من سن الـ35 إلى 45 تنعم بتقدير ذات أعلى وتدرك المساندة بصورة تفوق مثيلاتها من النساء في الفترة من سن الـ45 لـ55 عاماً. وقد يفسر ذلك ما توصلت إليه الدراسة أيضاً من وجود تناسب طردي بين تراجع ثقة المرأة بنفسها مع ضعف إمكانياتها وتدهور تقديرها لصورتها الجسمية.
حتى نستطيع القول إن معاناة المرأة خلال أزمة منتصف العمر تتوقف على مدى نجاح الحياة الزوجية والتكافؤ مع الزوج والعلاقات الزوجية المشبعة والرضا عنها، وذلك لأن المساندة الأسرية تقي المرأة أكثر مما تقي الرجل من الأعراض الجسمية.
حقاً إنها أزمة؛ لأن المرأة تؤكد دائماً أنها لم تلقَ المساندة التي تحتاجها، بل وتستحقها، وذلك لأن التأثير الفعلي لهذه المرحلة يتوقف كما أكدت د. سميرة في دراستها على اتجاه المرأة نحو نفسها وسماتها الشخصية، وذلك لوجود فروق واضحة في تقدير الذات والمساندة الأسرية بين مجموعتي الدراسة، الأقل تعليماً والأعلى تعليماً لصالح الأخيرة، مما يؤكد أهمية التعليم في خفض الشعور بالأعراض في هذه الفترة والحفاظ على صورة الذات، حيث تتميز المرأة الأعلى تعليماً بتبني إستراتيجيات أكثر نجاحاً في مواجهة المشكلات، وخاصة فيما يتعلق بالمعلومات، لأن نقص المعلومات يعد عاملاً مؤثراً في زيادة حدة الأعراض؛ لأن إدراك الفرد لقيمته الذاتية وكفاءته من أكثر المتغيرات تأثيراً في حياة الفرد وشخصيته وتشكيل سلوكه طوال حياته، فعليه أن يعرف ذاته لكي يحبها ويحميها، ومن ثم تكون المرأة المتعلمة تعليماً عالياً أقدر من غيرها على بناء خطة لتجاوز أي صعاب تواجهها وبالتالي تتميز بتقدير وثقة بالنفس وشعور بالكفاية، وكذلك المرأة العاملة حيث تتميز بالحرية التي تتهيأ لها فرص متعددة للنمو، غير أن إسهامها بعائد عملها في تحسين الحالة الاقتصادية للأسرة قد يهيئ لها فرصة أكبر للحصول على المساندة الأسرية من الزوج والأبناء، لأن المعاناة الاقتصادية تقلل من المشاعر الدافئة بين الزوجين أو مشاعر الزوج ومساندته لزوجته.
ومن هنا فإن مشكلة ربات البيوت وما يعانين منه ليس لدخولهن هذه المرحلة ومغادرة الأبناء المنزل وتقلص الدور الأمومي فقط، وإنما لتقلص الدور المنزلي أيضاً بتناقص أعداد من تقوم بتدبير شؤونهم.
وهو ما يؤكد حاجتها إلى الرعاية والحنان والتفهم بمن أفنت حياتها سهراً عليهم، وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية العمل الذي يمثل عندئذ عوضاً عن هذه الأدوار كما يعوضها عن انشغال الزوج الذي يكون عادة أكبر منها، ومن ثم قد سبقها في الدخول إلى مرحلة منتصف العمر، التي تعني بالنسبة للرجل إعادة تقييم لمسيرته الوظيفية والمهنية ومحاولة إنجاز ما يطمح إليه في الفترة المتبقية له قبل بلوغ سن التقاعد، مما قد يشغله إلى حد كبير عن زوجته.
والعجيب أن الزوجة العاملة قد تتفهم هذه الظروف أيضاً بينما تعتبرها المرأة غير العاملة انشغالاً عنها وتتسبب في غيرتها.
ولأن الاهتمام بصحة المرأة ونفسيتها يعدان معادل اتزان صحي نفسي يدعم وجودها ويفعِّل طاقاتها ويشحذ إرادتها ويجلب لها السعادة والرضا، كان اهتمام الدراسات الطبية أيضاً بتلك المرحلة الهامة من عمر المرأة، ومنها الدراسة التي نشرت في (مجلة الكلية الأمريكية للتغذية) حول أهمية فيتامين (د) والتي أفادت أنه المسؤول عن ضبط المناعة الطبية لدى النساء، وأن وجوده بنسب سليمة يخفف من أعراض متلازمة ما قبل الطمث، حيث تتأثر عملية التمثيل الغذائي للكالسيوم وفيتامين (د) بالهرمونات التي تتذبذب طوال فترات الدورة الشهرية، كما أن هناك علاقة وطيدة بين نقص فيتامين (د) والإحساس الدائم بالإجهاد، آلام العظام، تساقط الشعر، وكذلك ظهور أمراض خطيرة أخرى مثل أورام الثدي والقولون، إضافة إلى أمراض القلب مثل ارتفاع ضغط الدم وكذلك مرض السكر وبعض الأمراض العصبية مثل التصلب المتعدد.
كما أشارت الدراسة إلى أهمية ما يعرف بـ (سمية فيتامين د) وهي تلك الحالة النادرة والخطيرة الناجمة عن فرط تركيز فيتامين (د) الذائب في الدهون وفي مجرى الدم واستهلاك جرعة زائدة منه والتي غالباً ما تحدث نتيجة تناول مكملات من الفيتامين (د) دون استشارة طبية.
ولذلك ينصح الأطباء بالاعتماد على المصادر الغذائية الطبيعية مثل الحليب والأسماك الدهنية كالسلمون، وكذلك بضرورة التعرض المباشر لأشعة الشمس وفي أوقات مُحددة حيث يساعد ذلك في الحد من نقص الفيتامين.
وعلى الرغم من أن المرأة ترغب في أن يكون تعويضها عن البذل الذي منحته لمن حولها في فترة حياتها من جنس عملها، إلا أن الأطباء ينصحون دائماً ويؤكدون أهمية استخدام الأدوية في حال الحاجة إليها، مع أنه لا يمكن اعتبار فيتامين (د) بديلاً مساوياً لتلك اللفتات الحانية من الزوج والأبناء.
فإذا كانت أهمية فيتامين (د) ترجع إلى مسؤوليته في الحفاظ على مناعة الجسم الطبية، فإن العلاقات التي يشملها الحب ويحتويها الإخلاص ويدعمها العطاء بلا حدود مسؤوليتها الحفاظ على المناعة النفسية للمرأة.
ولأن ضعف المناعة النفسية هو الأقوى والأشمل لأنه يحمل في طياته ضعف المناعة الطبية بينما العكس ليس صحيحاً أقول: إن المرأة التي أعطت في سخاء وتفانت في رضا وبذلت في حب وعززت إمكانيات شخصية ومادية –للزوج- فضاعفتها وحولتها إلى مارد يجتاز الصعاب وينتقل من نجاح إلى نجاح حتى يحقق طموحاً كان مستحيلاً... هذه المرأة التي هي عماد الأسرة وأساس البيت، لا بد أن تحب ذاتها بالسعي نحو حمايتها من كل الإحباطات الشعورية والجسمية، بل وتقيمها تقييماً عملياً مختلفاً عن طريق تبني خطط بديلة؛ سواء كانت سيكولوجية أو طبية، وسواء كانت مرتبطة لديها بسن التحول أو الحياة عموماً.
التعليقات